تدمير اور وسقوطها سنة 2006 ق.م , سمحا للعموريين بالظهور على المسرح السياسي للهلال الخصيب . لغتهم السامية هي احدى الدلائل على انهم هجرة خرجت عن طريق الخليج ووادي الفرات من الجزيرة العربية . تمكن العموريون , تحت لواء اشبي ايرا , من تأسيس سلالة قوية في ايسن حكمت اكثر من قرنين . قبل ذلك بسنوات قليلة كانت قد قامت في لارسا سلالة اخرى ناطقة بالسامية , دام حكمها اكثر من ذلك بقليل . حكمت السلالتان في وقت واحد بلاد بابل طيلة قرن كامل , حتى قامت في بابل في مطلع القرن التاسع عشر ق.م . وبدون مقاومة منهما دولة ثالثة , كانت مؤلفة من العموريين الناطقين بالسامية ايضا .
لكن في اوائل القرن الثامن عشر ق.م , كانت لارسا تحت حكم ريم سين , واصبحت المنوائ البارز الوحيد لبابل , من اجل السيطرة على بلاد ما بين النهرين .
حمورابي وشرائعه
كان الملوك الخمسة الاول , من السلالة الجديدة في بابل , منهمكين بالدرجة الاولى في اقامة الابنية الدينية والدفاعية وبشق الاقنية , دون توسع اقليمي يذكر , تاركين هكذا لحمورابي ان يقود الحملات المظفرة التي افضت الى امتداد امبراطوريته من ماري على الفرات في الشمال الغربي , حتى عيلام في الشرق , وان يتقدم بعد تغلبه على لارسا للسيطرة على مملكة سومر واكاد القديمة .
بالاضافة الى تأسيس هذه الامبراطورية التي لم تدم طويلا , قامت شهرة حمورابي بالدرجة الاولى على مجموعة الشرائع ( 2 ) المنسوبة اليه ,والمكتوبة باللغة الاكادية ( 7 ) , وهي لسان سامي اصبح في تلك الحقبة , انسجاما مع التطورات السياسية , اللغة الرئيسية لبلاد ما بين النهرين . لكن اللغة السومرية بقيت وقفا على الاستعمال الديني بالدرجة الاولى , مع ان الحضارة التي عبرت عنها الت الى الساميين , وواصلت ازدهارها معهم .
كان حكم خلفاء حمورابي طويلا ومستقرا . ومع انه ورد ذكر الكاشيين الدخلاء في بابل في اواخر القرن الثامن عشر ق.م ( القادمين على الارجح من الجبال الواقعة في الشمال الشرقي ) , فمن الاكيد ان حملة الملك الحثي مرسيليس الاول سنة 1595 ق.م او بعدها بقليل , هي التي ادت الى تدمير بابل الشهيرة وسقوط سلالة حمورابي . يصعب ان يكون مرسيليس قد طمع بفتح دائم , لذلك ملأت الفراغ فيما بعد سلالة كاشية يقال انها حكمت مدى 576 سنة .
عصور بابل المظلمة
امتصت بلاد بابل الكاشيين . وطيلة عصر مظلم يزيد على 200 سنة , نكاد لا نسمع عنهم شيئا يذكر . لكن في منتصف القرن 14 ق.م تزوج الملك الكاشي ابنةملك اشور , الا ان هذا الزواج ادى الى سلسلة من الحروب , انتهت باجتياح الملك المحارب الاشوري البارز توكوليتي نينورتا الاول سنة 1235 ق.م لبلاد بابل واحتلالها . في الواقع احتفظ الكاشيون ببابل , ولكن سلالتهم سقطت امام العيلاميين سنة 1157 ق.م .
لكن العيلاميين خسروا سيطرتهم على بابل قبل نهاية القرن , اذ انتقلت منهم الى سلالة ايسن الثانية , التي وضعت حدا في عهد نبوخذ نصر الاول ( ملك 1124 - 1103 ق.م ) للتدخل العيلامي . ثن سقطت سلالة ايسن بعد فترة من الاستقرار السياسي دامت اقل من 100 عام , تلاها عصر من القلق والاضطراب السياسي , وضعت حدا له سلالة بابل الثامنة سنة 977 ق.م التي عرفت كيف تحافظ , طوال قرن كامل , على علاقات وثيقة مع دولة اشور النامية .
استنجدت بابل بشلمنصر الثالث ملك اشور ( 6 ) ( ملك 858 - 824 ق.م ) لمساعدتها على قمع فتنة فيها , في حقبة بدأت تظهر فيها القبائل الكلدانية القوية في جنوبي بابل . وقد سبقت الحروب مع اشور والفوضى في الداخل قيام تلغت بيلصر الثالث ( ملك 744 - 727 ق.م ) كملك بارز لاشور , لم يلبث ان اعتمر التاج البابلي . وقد حكم خليفته شلمنصر الخامس ( ملك 726 - 722 ق.م ) على كلا البلدين طوال 5 سنوات . لكن كلا من سرجون الثاني ( ملك 721 - 705 ق.م ) وسنحاريب ( ملك 704 - 681 ق.م ) وجدا في الكلدانيين اعداء الداء لهما .
تقلبت احوال بابل تقلبا عظيما في القرن السابع ق.م , حتى ظهر " ابن ابيه " المجهول الهوية نابو بولصر ( ملك 625 - 605 ق.م ) تاذي دشن عهدا عظيما من الحضارة البابلية في ظل السلالة الكلدانية .
ظهور البابليين المستحدثين
اعانت بابل الميديين على دحر نينوى والاشوريين سنة 612 ق.م , ودمر قائدها العظيم نبوخذ نصر الثاني ( ملك 604 - 562 ق.م ) القدس وسبى اهاليها , واقام انصابا ومباني جعلت من بابل احدى عجائب الدنيا السبع , وهذه هي حقبة الجنائن المعلقة . اغتيل ابن نبوخذ نصر , واخذ انحلال بابل يتفاقم في عهد نابونيد التقي والمولع بالاثار ( 1 ) , وهكذا سقطت بابل , وبدون مقاومة , امام هجمات الملك الاخميني الفارسي قورش الكبير ( حوالي 600 - 529 ق.م ) ثم دمرها احشورش جزئيا سنة 482 ق.م , وكان من الممكن ان يعيد الاسكندر الاكبر ( 356 - 323 ق.م ) بنائها لو لم يمت هنالك . ومنذ ذلك الحين اسدل ستار التاريخ عليها , مع ان مدارسها الفلكية بقيت حية في الحضارات التي تلتها .