2015-02-03

افريقيا في العصور الاولى


( 1 ) موقع الصحراء الكبرى بين شمال افريقيا وافريقيا المدارية يفصل المنطقتين المذكورتين الواحدة عن الاخرى . يبدو على الخارطة نهرا النيجر والنيل اللذان كانا يتلقيان مياه الانهار الصغرى التي اختفت تماما . وبحيرة تشاد هي البحيرة الكبيرة الوحيدة التي ظلت في المنطقة الصحراوية فيما زالت جميع البحيرات الكبيرة والصغيرة الاخرى . مجرى نهر النيل كان الطريق الوحيد الذي يصل بين اواسط افريقيا وشمالها ( في مصر ) . وعن طريقه انتشر السكان من منطقة البحيرات الافريقية ومن السودان الى مصر العليا . كما يرجح ان الحديد انتقل من كوش الى اواسط افريقيا على هذا الطريق . منطقتا الحضارتين الوهرانية والقفصية تظهران على الخريطة 
 اسم افريقيا اطلقه الرومان في القرن الثاني ق.م على ما بين طرابلس واواسط الجزائر حاليا , ثم صار اسما للقارة كلها في العصور الحديثة.
  الصحراء الكبرى تخترق افريقيا من شواطئ البحر الاحمر حتى الاطلس لعرض 16 درجة تقريبا ( 10- 26 ) , وهي لا تفصل جغرافيا فقط قسمها المطل على حوض البحر المتوسط عن باقي القارة , ولكنها ايضا تفصلها عرقا وحضارة وتاريخا بعضها عن بعض . فشمال افريقيا كله من مصر حتى المغرب جزء من منطقة الحضارات القديمة ( 1 ) , بينما افريقيا فيما وراء الصحراء قارة اخرى ظلت في عتمة التاريخ حتى العصور الحديثة , وان كانت لها تطوراتها البشرية والتارسخية الخاصة والمستمرة عشرات الالوف من السنين .
  دلت الابحاث والاثار الطبيعية والانسانية ان هذا الحاجز الصحراوي الاعظم لم يكن موجودا او على الاقل لم يكن منطقة جفاف ورمال قبل 10 الاف سنة , وان قصة الانسان في هذه القارة كانت مختلفة عما قد توحي به الاوضاع الجغرافية والبشرية اليوم .
بقايا الصور التي تركها الانسان القديم في الصخور الصحراوية ( موقع تسيلي مثلا وموقع جبارين ) ( 2 ) , واثار الودبان التي جفت , وحتى البحيرة التي لا تزال قائمة ( بحيرة تشاد ) والتي تتقلص باستمرار ( 5 ) , كلها شواهد على حداثة عمر الصحراء .

  افريقيا مهد الانسان 

  قبل مئات الالوف من السنين , وجدت في انحاء القارة وبخاصة في شرقيها وشمالها مجموعات بشرية الملامح . الادلة والبقايا الكثيرة التي وجدها العلماء رجحت الدى معطمهم ان افريقيا كانت مهد الانسان , وان الانسان المنتصب ظهر فيها قبل حوالي 60 الف سنة , وان الانسان العاقل انتشر فيما بين 20 و 15 الف سنة . قبل ذلك وخلاله , عرف الانسان الافريقي استخدام الصوان ( 4 ) , ثم سكنى الكهوف , وصيد الغذاء , واستخدام النار . 
  منذ 7 او 8 الاف سنة . حين بدأت العناصر البشرية , التي كانت تمارس جمع الطعام والصيد , في الافول , وتنتشر بدلا منها الجماعلت المتجهة الى الاستقرار من اجل زراعة الغذاء وتربية الحيوان لاستغلاله , كانت هناك 4 جماعات عرقية افريقية قد وطدت اقدامها في هذه القارة هي : 

  • البشمن الاولون في الاجزاء الجنوبية والشرقية .
  • الاقزام الاوائل في الاقاليم الغابية من حوض الكنغو وساحل غانا .
  • الحاميون - القوقازيون الذين انتشروا في الشمال والشمال الشرقي , دخلاء على القارة .
  • الزنوج . وهم الاقدم , انتشروا في المناطق الباقية وعلى هامش المناطق الغابية الاستوائية , ثم توغلوا فيها منذ حوالي 9-8 الاف سنة , واختاروا المناطق الرطبة والقريبة من المياه في الغرب .

  الصحراء الفاصلة 

  زادت اعداد الجماعتين الاخيرتين حتى طغت على الجماعات الباقية وفصلت بينهما وبين هذه الجماعات الصحراء الكبرى التي كانت تتسع بالتدريج تحت ضغط تطورات المناخ وانسحاب العصر المطير . الخط الوحيد تقريبا الذي ظل يربط بين الجماعات الحامية والقوقازية والزنجية هو وادي النيل .
  التحديات التي لقيها سكان هذا الوادي اضطرتهم الى استغلال الارض , وتنظيم الري , وتطوير نظام اداري يضمن الامرين منذ الالف الخامس والرابع ق.م . ولم يلق الزنوج هذه التحديات لقلة عددهم وكثرة الغذاء المتاح , فلم يلجأوا الى الاستقرار ولم تتطور لديهم مستويات مماثلة من الحضارة . 
  قبيل القرون الميلادية بقليل , عرفت افريقيا تطورين هامين , هما :
  1. انتشار جماعات البانتو , وهي اخلاط من الزنج والحاميين تكونت في مناطق البحيرات الافريقية , ثم انساحت نحو الغرب والجنوب والشرق من القارة , حاملة معها طرائق الزراعة وانتاج الغذاء .
  2. دخول افريقيا عصر الحديد , وربما دخلها عن طريق وادي النيل وحضارة كوش . فقد كان الحديد قد وصلهما في القرنين الثامن والسابع ق.م , بعد ان شاع في الشرق الادنى حوالي سنة 1200 ق.م .

  الشمال الافريقي

 القسم الشمالي الشرقي من افريقيا , وبخاصة مصر , جزء من الحضارات المتوسطية القديمة . اما باقي الشمال الافريقي فقد عرف ما بين 50 - 20 الف سنة ق.م انسان النياندرتال , صاحب الحضارة العتيرية ( عتير بجنوبي تونس ) . ثم اخذ يختفي ليحل محله الانسان العاقل . ونرى بقايا عصره الحجري القديم في الحضارة الضبعانية ( نسبة لكهف الضبعة في ليبيا ) . ما بين 10 - 12 الف سنة ق.م . انتشر جنس البحر الابيض المتوسط . العصور الحجرية والمتوسطية تكشف عن اثاره :
  1. الحضارة الوهرانية ( حوالي 15 الف سنة ق.م ) , في السواحل والتلال المجاورة لها . عثر على اثارها في كهف هوا الفتايح والجبل الاخضر في ليبيا .
  2. الحضارة القفصية , التي ظهرت بين 9 - 5 الاف سنة شرقي جبال اوراس , ويبدو انها اثرت في الحضارة الوهرانية .
  بين الالف الثالث والثاني ق.م , وفد على المغرب جماعات عرف اشهرها في النقوش المغربية بأسم / ليبو ( ومنها اسم ليبيا ) , امتزجت بصانعي الحضارتين السابقتين , ونتج عن هذا المزيج مجموعة البربر , وهي المجموعة البشرية واللغوية التي اهلت الشمال الافريقي في العصور التاريخية . 
 
( 2 أ ) عثرت بعثة هنري لوث الفرنسية قبل حوالي ثلاثين سنة على عدد من الرسوم والنقوش الصخرية في منطقة الحجار ولايير في الصحراء الكبرى ترجع في تاريخها الى الفترة الممتدة من 6000 الى 200 ق.م . ثم توالى اكتشاف الرسوم في مئات المناطق المتناثرة في حزام عريض يمتد من جنوب مهران حتى الواحات المصرية . تمثل رسوم الكهوف والصخور الحيوانات التي كان الانسان يعتمد عليها في حياته وتنقله . كما يرى في بعضها الانسان وهو يقوم بالاهتمام بها . اختلف الباحثون في تحديد تواريخ دقيقة لهذه الرسوم . هناك تقسيم تقريبي يجعلها في خمسة ادوار : قديم من عصر الصيد , ورسومه منحوتة , وثاني ملون ينتهي قبل حوالي 8 الاف سنة , وثالث من عصر الرعاة بين 5 الاف الى الف ق.م , ورابع ظهرت فيه صورة الحصان ( حوالي 750 ق.م ) , وخامس فيه صورة الجمل بدأ مع عصر الميلاد . رسم ( ب ) هو من منطقة جبارين ( تسيلي حجار ) ويعود الى 3500 ق.م , وترى فيه الابقار ترعى في تلك المنطقة وعدد من الرجال يحاول حصرها في مكانها . في ( أ ) رسم حفر في جيرات ايضا من منطقة تسيلي . يعود الى 600 ق.م , ويرى فيه الايل ذو القرون الطويلة ( الحيرم / الودان ) , في ( ت ) حفر يمثل زرافات ضخمة في جبال الايير يعود الى حوالي 200 ق.م .

( ب )







( ت )











 ( 3 ) ابقار الجومنتيين التي ذكر هيرودوت ان لها قرونا طويلة منحنبة الى الامام مما يجعلها تسير الى الخلف عند رعيها . يبدو انه وصف مبالغ فيه عند مقارنتها بما تبرزه رسوم الكهوف القديمة في جنوب ليبيا . وذلك كما يظهر في لوحة بكهف جبارين في تسيلس بالصحراء الكبرى .

( 4 ) كاشطة حجرية من العصر الحجري الحديث عثر عليها في ليبيا . هذه الادوات التي كان يعتمدها انسان العصر الحجري في صيده وقنصة وقطع الاخشاب والحف . وقد عثر على هذه الكاشطة مع غيرها فريق من رجال الاثار الليبيين في منطقة جرمنت في الفزان .





( 5 ) بحيرة التشاد هي البحيرة الوحيدة التي لا تزال موجودة في الصحراء الكبرى . وقد تقلص حجمها وضاقت مساحتها خلال الالاف الستة الماضية . لا تعرف هذه البحيرة حدودا معينة . فمساحتها تتبدل بنسبة هائلة حسب غزارة المساه . وترافق ارتفاع المياه فيضانات على نطاق واسع .




2015-01-23

البابليون

 تدمير اور وسقوطها سنة 2006 ق.م , سمحا للعموريين بالظهور على المسرح السياسي للهلال الخصيب . لغتهم السامية هي احدى الدلائل على انهم هجرة خرجت عن طريق الخليج ووادي الفرات من الجزيرة العربية . تمكن العموريون , تحت لواء اشبي ايرا , من تأسيس سلالة قوية في ايسن حكمت اكثر من قرنين . قبل ذلك بسنوات قليلة كانت قد قامت في لارسا سلالة اخرى ناطقة بالسامية , دام حكمها اكثر من ذلك بقليل . حكمت السلالتان في وقت واحد بلاد بابل طيلة قرن كامل , حتى قامت في بابل في مطلع القرن التاسع عشر ق.م . وبدون مقاومة منهما دولة ثالثة , كانت مؤلفة من العموريين الناطقين بالسامية ايضا .
  لكن في اوائل القرن الثامن عشر ق.م , كانت لارسا تحت حكم ريم سين , واصبحت المنوائ البارز الوحيد لبابل , من اجل السيطرة على بلاد ما بين النهرين .

   حمورابي وشرائعه 

  كان الملوك الخمسة الاول , من السلالة الجديدة في بابل , منهمكين بالدرجة الاولى في اقامة الابنية الدينية والدفاعية وبشق الاقنية , دون توسع اقليمي يذكر , تاركين هكذا لحمورابي ان يقود الحملات المظفرة التي افضت الى امتداد امبراطوريته من ماري على الفرات في الشمال الغربي , حتى عيلام في الشرق , وان يتقدم بعد تغلبه على لارسا للسيطرة على مملكة سومر واكاد القديمة .
  بالاضافة الى تأسيس هذه الامبراطورية التي لم تدم طويلا , قامت شهرة حمورابي بالدرجة الاولى على مجموعة الشرائع ( 2 ) المنسوبة اليه ,والمكتوبة باللغة الاكادية ( 7 ) , وهي لسان سامي اصبح في تلك الحقبة , انسجاما مع التطورات السياسية , اللغة الرئيسية لبلاد ما بين النهرين . لكن اللغة السومرية بقيت وقفا على الاستعمال الديني بالدرجة الاولى , مع ان الحضارة التي عبرت عنها الت الى الساميين , وواصلت ازدهارها معهم .
  كان حكم خلفاء حمورابي طويلا ومستقرا . ومع انه ورد ذكر الكاشيين الدخلاء في بابل في اواخر القرن الثامن عشر ق.م ( القادمين على الارجح من الجبال الواقعة في الشمال الشرقي ) , فمن الاكيد ان حملة الملك الحثي مرسيليس الاول سنة 1595 ق.م او بعدها بقليل , هي التي ادت الى تدمير بابل الشهيرة وسقوط سلالة حمورابي . يصعب ان يكون مرسيليس قد طمع بفتح دائم , لذلك ملأت الفراغ فيما بعد سلالة كاشية يقال انها حكمت مدى 576 سنة .

  عصور بابل المظلمة 

  امتصت بلاد بابل الكاشيين . وطيلة عصر مظلم يزيد على 200 سنة , نكاد لا نسمع عنهم شيئا يذكر . لكن في منتصف القرن 14 ق.م تزوج الملك الكاشي ابنةملك اشور , الا ان هذا الزواج ادى الى سلسلة من الحروب , انتهت باجتياح الملك المحارب الاشوري البارز توكوليتي نينورتا الاول سنة 1235 ق.م لبلاد بابل واحتلالها . في الواقع احتفظ الكاشيون ببابل , ولكن سلالتهم سقطت امام العيلاميين سنة 1157 ق.م  . 
  لكن العيلاميين خسروا سيطرتهم على بابل قبل نهاية القرن , اذ انتقلت منهم الى سلالة ايسن الثانية , التي وضعت حدا في عهد نبوخذ نصر الاول ( ملك 1124 - 1103 ق.م ) للتدخل العيلامي . ثن سقطت سلالة ايسن بعد فترة من الاستقرار السياسي دامت اقل من 100 عام , تلاها عصر من القلق والاضطراب السياسي , وضعت حدا له سلالة بابل الثامنة سنة 977 ق.م التي عرفت كيف تحافظ , طوال قرن كامل , على علاقات وثيقة مع دولة اشور النامية .
  استنجدت بابل بشلمنصر الثالث ملك اشور ( 6 ) ( ملك 858 - 824 ق.م ) لمساعدتها على قمع فتنة فيها , في حقبة بدأت تظهر فيها القبائل الكلدانية القوية في جنوبي بابل . وقد سبقت الحروب مع اشور والفوضى في الداخل قيام تلغت بيلصر الثالث ( ملك 744 - 727 ق.م ) كملك بارز لاشور , لم يلبث ان اعتمر التاج البابلي . وقد حكم خليفته شلمنصر الخامس ( ملك 726 - 722 ق.م ) على كلا البلدين طوال 5 سنوات . لكن كلا من سرجون الثاني ( ملك 721 - 705 ق.م ) وسنحاريب ( ملك 704 - 681 ق.م ) وجدا في الكلدانيين اعداء الداء لهما . 
  تقلبت احوال بابل تقلبا عظيما في القرن السابع ق.م , حتى ظهر " ابن ابيه " المجهول الهوية نابو بولصر ( ملك 625 - 605 ق.م ) تاذي دشن عهدا عظيما من الحضارة البابلية في ظل السلالة الكلدانية .

  ظهور البابليين المستحدثين 

  اعانت بابل الميديين على دحر نينوى والاشوريين سنة 612 ق.م , ودمر قائدها العظيم نبوخذ نصر الثاني ( ملك 604 - 562 ق.م ) القدس وسبى اهاليها , واقام انصابا ومباني جعلت من بابل احدى عجائب الدنيا السبع , وهذه هي حقبة الجنائن المعلقة . اغتيل ابن نبوخذ نصر , واخذ انحلال بابل يتفاقم في عهد نابونيد التقي والمولع بالاثار ( 1 ) , وهكذا سقطت بابل , وبدون مقاومة , امام هجمات الملك الاخميني الفارسي قورش الكبير ( حوالي 600 - 529 ق.م ) ثم دمرها احشورش جزئيا سنة 482 ق.م , وكان من الممكن ان يعيد الاسكندر الاكبر ( 356 - 323 ق.م ) بنائها لو لم يمت هنالك . ومنذ ذلك الحين اسدل ستار التاريخ عليها , مع ان مدارسها الفلكية بقيت حية في الحضارات التي تلتها .

   



 ( 1 ) حسب رواية الملك نابونيد ( ملك 555 - 539 ق.م ) , بدأ أورنامو ( ملك 2113 - 2096 ق.م ) ببناء الزقورة العظيمة للمعبود القمر في اور , على انه قد يكون أشاد قد اسس هذا الهيكل على انقاض برج قديم , من عهد ما قبل السلالات . يقول نابونيد ان شولجي ابن اورنامو تابع البناء ولكنه لم يكمله . اما نابونيد نفسه فقد اصلح السلم بأضافة درجات جديدة فوق القديمة . ورفع مستوى الشرفة . لكن اكبر زقورة معروفة ( تبلغ 100 متر مربع ) عي التي بنيت في دور -اونتاش في عيلام بالقرب من سوسا , وهي تختلف من عدة وجوه عن زقورات ما بين النهرين .

 ( 2 ) هذا النصب الصواني لحمورابي نقله من بابل احد الغزاة العيلاميين . ربما في القرن الثاني عشر , وحمله معه الى سوسا , حيث عثر عليه في شتاء 1901 - 1902 . على رأس النصب رسم نافر يظهر فيه حمورابي , وهو يتسلم الامر بكتابة الشرائع من " شمس " وهو المعبود الشمس او معبود العدالة , يبدو ان العيلاميين ازالوا بعض اجزاء النص , الا ان معظمه ما زال موجودا في نسخ اخرى من التشريع , وله فاتحة وخاتمة مكتوبتان بأسلوب شبه شعري .
 ( 3 ) سيطرت بابل على اسيا الغربية , على درجات متفاوتة من السيطرة , وذلك على مدى ثلاثة عشر قرنا ونصف القرن .
( 4 ) يبدو ان هذه اللوحة البابلية التي لم يكشف عن مضمونها تماما بعد تدور على الهندسة النظرية . معظم النصوص الرياضية البابلية معاصرة لسلالة حمورابي ( ملك 1792 - 1750 ق.م ) , اما البقية , فيمكن اعادة تاريخها الى القرون الثلاثة الاخيرة قبل الميلاد . لكن تاريخ المجموعة البابلية القديمة الباكر لا يزل مجهولا , باستثناء البينات المستمدة من نصوص اقتصادية وادارية , ترقى الى اقدم عهود الكتابة في ما بين النهرين , وقد اقتبس البابليون القدماء نظامها العددي المبني على النظام الستيني .

( 5 ) تظهر في بعض الرسوم النافرة على الاجر الثيران والمخلوقات الخرافية التي كانت تؤلف جزءا من المواكب الاحتفالية . وهذه الرسوم , ترقى , مع معظم البقايا البابلية المكتشفة حديثا , الى العهد البابلي الحديث .
( 6 ) تحمل قاعدة قصر شلمنصر الثالث , التي عثر عليها في نمرود , نقشا على سطحها الافقي , يشتمل على فقرة منفصلة تشير الى حملتي الملك في بابل سنتي 851 و 850 ق.م اللتين اعان فيهما الملك البابلي على حماية عرشه من الثورة . ويظهر في هذا الحفر النافر , على سطحها الغربي العمودي , شلمنصر ( الى اليمين ) وربما الملك البابلي ( الى اليسار ) , ومع كل منهما مرافق , وتظلل الجميع مظلة . يلفت النظر في هذا الرسم ان الملكين يظهران فيه وهما يتصافحان , وهو نادر في هذا الفن .

(7 ) تبرز لوحات الاجر الباكرة اهمية الغنم والماعز في اقتصاد المجتمعات السومرية الاولى . وهي تستعمل الرموز الدالة على كلمات " تاجر " " وماشية " " وحمار " . ادخلت الحقبة الاكادية تحسينات على نوعية اللوحات الاولى في اول تدوين من نوعه للغة سامية , اي الاكادية القديمة . اما تطور تلك اللوحات الى لوحات بابل ( اللوحات المصوره هنا بابلية قديمة ) واشور فقد بلغ ذروتة في خط الكتبة , في مكتبة اشور بانيبال في نينوى .
( 8 ) يصور هذا النصب نارام سين ( 2245؟ - 2218 ق.م ) الاكادي منتصرا على الملك العراقي الشرقي للولوبي . شكلت سلالته السامية فترة متوسطة في التاريخ السومري فمهدت السبيل لسيادة البابليين الساميين . تمثال انتصاراته في متحف اللوفر.









2015-01-20

الساميون الاوائل

 كلمة سامي لا تحمل علميا اي مفهوم اثنولوجي , وهي تدل على على صفات لغوية حضارية اكثر بكثير مما تدل على الصلات العرقية . العالم اللغوي الالماني شلوتسر استخدمها اول مرة سنة 1781 ليعبر بها عن التقارب الذي وجده بين اللغات العربية والعبرية والجعزية الحبشية , لان الشعوب التي تتكلم هذه اللغات تنسب في التوراة الى سام بن نوح . ثم صار الغربيون يستعملون الكلمة بالمعنى العرقي ليدلوا بها على هذه الشعوب وعلى غيرها من سكان الهلال الخصيب القدماء وقد شملوا بها الاكاديين والعموريين والبابليين والكنعانيين والفنيقيين والاشوريين والعبريين والعرب والاثيوبيين . السؤال عن المهد الذي خرجت منه هذه الشعوب هو احدى مشاكل التاريخ القديم . وتدور حوله نظريات عديدة , ارجحها لدى العلماء النظرية التي ترد اصلهم جميعا الى الجزيرة العربية وتجعل خروجهم منها في هجرات دورية اعتبارا من الالف الرابع ق.م بنتيجة التكاثر والجدب . وثمة دلائل على انهم استخدموا الجمال والحمير في الهجرة . 

  تسرب الساميون الاوائل . ثم تكاثروا في ارض الرافدين حتى الشام , اثناء الفترة السومرية . سماهم السومريون بالعموريين ( اي الغربيين ) , لكنهم دخلوا المسرح السياسي للمنطقة منذ اواسط الالف الثالث بظهور دولة ايبلا اولا في شمال سوريا ( على 60 كم من جنوب حلب ) , ثم ظهور الاكاديين , بعد قرن اخر , في جنوب العراق بعد الغاء الدولة السومرية .

  مملكة ايبلا 

عرفت ايبلا وحضارتها الزاهرة منذ عهد قريب فثط , نتيجة الحفريات الاثرية التي اجريت ما بين 1964 و 1975 في تل يعرف بتل مرديخ . فقد كشف عن القصر الملكي فيه وعن كنز اثري هام جدا هو مكتبنة الضخمة المؤلفة من الاف الرقم الطينية المكتوبة بالمسمارية ( 1 ) .
  لم تقرأ بعد معظم هذه الرقم . لكن ما قرئ منها كشف عن الملك اغريس حليم الذي انشأ القصر الملكي سنة 2400 ق.م , والملك ارانيوم ( 2340 ) الذي اخضع بلدة ماري , والملك ابيريوم ( ابراهيم ) الذي عاصر سرجون الاكادي وانهزم امامه . كما كشفت الرقم ان ايبلا عرفت عهدين من الازدهار . الاول ما بين 2400 و 2250 ق.م , وكانت تحتل فيه المركز الثالث في الشرق الادنى بين مصر وما بين النهرين . ثم اصطدمت مع الاكاديين بسبب التجارة وهزمتهم , ثم استطاع نارامسين الاكادي حوالي سنة 2250 ق.م ان يفتحها ويهزم ملكها ابي سيبش ويجعلها خرابا بالحريق الذي ما تزال بعض اثاره واضحة .
  على ان ايبلا استردت بالتدريج مكانتها ما بين 2000 و 1850 ق.م , اي في الوقت الذي برز فيه العموريون البابليون , (شعب حمورابي ) . من ملوك هذه الفترو الثانية ابي زيكو ( 1850 ق.م ) المعاصر لحمورابي . بينت الرقم ان ايبلا شكلت امبراطورية سيطرت على مابين وادي الفرات حتى مدينة جبيل على الساحل السوري . كما سيطرت على بلاد اشور قبل ان تدمر . وكانت حروبها تجارية تستهدف السيطرة على طرق التجارة المائية والبرية واحتكار تجارة المعادن من الاناضول والاخشاب من جبال لبنان وصناعة النسيج .

  مملكة ماري

  برزت مع ايبلا في فترة ازدهارها الاولى ثم بعد تدميرها سنة 2250 ق.م مملكة ( مدينة ) ماري التي بدأ اكتشاف اثارها على حوض الفرات الاوسط ( قرب ابو كمال ) منذ سنة 1933 م وما يزال مستمرا . قراءة نقوشها الاثرية اوضحت ان ماري قديمة تتكون من تطبق عدة مدن . عرفت بدورها مرحلتي ازدهار اولاهما في الالف الثالث ق.م قبل عهد سرجون الاكادي , والثانية في الالف الثاني ق.م . 
  لعل مؤسس السلالة الملكية الاولى في ماري هو انسور ( حكم مع خلفائه الستة 136 سنة ) , ثم اعقبه حتى اواسط القرن 25 ق.م اربعة ملوك اخرين منهم ايكو شمش ولامجي ماري , ثم جاء الملوك المعاصرون للعهد الاكادي منذ ميجير داغان , ونعرف منهم حوالي 20 ملكا استمر عهدهم حتى القرن الحادي عشر بعد الميلاد ايام توكولتي - مير . ومن ابرزهم زميري ليم ( 2 ) . 
  ثم دمرت المدينة تحت ضربات ملك اوروك لوجالزاكيزي . لكن الموقع التجاري الهام لماري سمح لها ان تعاود ازدهارها . وان خضع ملوكها لسيطرة حكام جدد هم ملوك اكاد , قبل ان تنفصل عنهم , لكنها في النهاية ضربت الضربة القاضية على يد حمورابي حوالي 1750 ق.م الذي قتل سكانها وساق الباقي عبيدا ...
  بالرغم من ان المدينة عادت موقعا تجاريا وذكرت في النقوش الاشورية , فأنها لم تستعد ابدا مكانتها الاولى , واندثر ذكرها مع نهاية نينوى ثم بابل , وان ظهرت ايام السلوقيين كقرية سلوقية .

 حضارة ماري 

  حضارة ماري فيها الكثير من المؤثرات السومرية . الطابع الغالب على معظم التماثيل واللقى والاختام والقبور والنحوت البارزة التي وجدت هو الطابع الديني , ثم المشاهد الحربية . لكنها تعبر عن مستوى فني رفيع . ابرز المعبودات هي عشتار ( 3 ) وشمش وداغان . كانت ماري زقورة قديمة , ولعل قصر زيمري ليم الواسع , الذي كان اشهر القصور في عصره , هو اهم الكشوف المعمارية التي كشفت في ماري , كما ان النقوش المكتشفة فيها ( 25 الف نقش ) هي من اهم واكبر مجموعات النقوش الاثرية في العالم ( 4 ) . 


















( 1 أ ) كمية الرقم الاثرية الطينية ( أ ) التي وجدت مؤخرا في ايبلا تشكل تحديا كبيرا للاثريين ل\الذين سوف يقضون السنين الطويلة قبل قبل الانتهاء من قرائتها وادخال ما فيها ضمن معلومات التاريخ القديم الذي كان يجهلها تمام الجهل . الرقم التي وجدت ( والصورة نموذج منها ) تزيد على 15 الفا . كانت منسقة في مكتبات خشبية بالقصر الملكي . كتبت بالمسمارية وبلغة شبيهه بالاكادية . تتناول مختلف المواضيع التجارية والاقتصادية والادارية والتاريخية والادبية والدينية . وفيها اصول لعدد من المعلومات التوراتية تسبقها بحوالي 16-18 قرنا . كما ان فيها الاوامر والتقارير الملكية والمعاهدات والالواح التعليمية . وتتضمن ايضا اقدم معجم لفظي يرجع الى حوالي سنة 2300 ق.م . وهو ثنائي اللغة بين السومرية واللغة الايبلائية . جفف الحريق الذي اصاب القصر الملكي سنة 2250 ق.م , هذه الرقم وجعلها صلبة مما ساعد على حفظها الى اليوم . عثر في ايبلا عدى القصر الملكي والرقم التي فيه على ثلاثة معابد وعلى عدد كبير من التماثيل للمعبودات وعلى عدد كبير من الاواني الفخارية ( ب , ث )عدا اطلال المنازل للسكن ( ت ) . ثروة المعلومات التي كشفت عنها ايبلا اضافت الكثير الى معلوماتنا ايضا عن مدن وممالك الشرق الادنى .
( 1ب )


( 1 ت )

( 1 ث )
( 2 أ )اورنينا هي مغنية معبد المعبود شمس . وتمثالها الحجري ( أ ) موجود في المتحف الوطني بدمشق تجلس فيه على وسادة مزركشة وترتدي ثوبا شبيها بالسروال وشعرها مرسل على ظهرها . حيث كتب اسمها . كانت تشرف على الغناء والرقص في المعبد . يعد تمثالها من انفس واندر مجموعة التماثيل التي وجدت في ماري . اما تمثال ربة الينبوع ( ب ) الموجود في متحف حلب , فيمثل امرأة واقفة بثوب طويل متموج تتدلى منه بعض الخطوط المتعرجة رمزا لتموج الماء ومجاري الانهار , وقد رسم عليه بعض السمك . الاناء في يدها رمز للحياة والخصب . وعلى رأسها نوع من العمامة . التمثالان يعودان الى اواخر الالف الثالث ق.م . اما التمثال الثالث ( ت ) فهو لسادنة المعبد ويعود الى القرن 18(؟) ق.م وهو في متحف دمشق . 
( 2 ب )

             ( 2 ت )

( 3 أ )

          ( 3 ب )









( 3 ) تماثيل ماري تتميز بأصرار الفنانين فيها على ابراز العيون التي يحفر موضعها احيانا لينزل فيه الصدف او العاج ثم تكحل بالسواد او القار لتكون واضحة قوية النظرة . التمثالان المصوران نموذج لذلك . الاول ( أ ) هو للمعبودة عشتارات . والثاني ( ب ) لسليم شقيق الملك . والتمثالان من الالف الثالث ق.م . ويمثلان اكمل التمثيل فن ماري .

( 4 ) مشهد من تقديم اضحيه للالهة . وهو من رسوم ماري الجدارية الملونة . هذه القطعة الاثرية موجودة في متحف اللوفر في باريس , وهي جزء من صورة واسعة في القصر الملكي بقيت بعض اجزائها .
( 5 ) نسر من الذهب والحجر الكريم ( اللازورد ) وجد بين اللقى الاثرية في ماري , وهو من الهدية الملكية التي ارسلها ملك اور الى ملك ماري اوائل الالف الثاني ق.م .

2015-01-13

الحضارة السومرية

كشفت الحفريات الجزئية لمدينة اريدو , في جنوبي العراق , عن اولى المستوطنات التي كشفت حتى الان , في بلاد ما بين النهرين , فأيدت التقليد السومري القائل بقدم هذة المدينة , اذ كانوا يعتبرونها اولى المدن الخمس الموجودة قبل الطوفان . اما حقب الاستيطان السابقة لعهد السلالات المالكة , والتي تمتد طوال الالف الرابع ق.م فكانت تسمى باسم المواقع الخاصة بها , وعي تل العبيد واوروك ( الوركاء ) وجمدة نصر .
   يبدو ان بعض المساكن الاولى في اريدو كان من اكواخ القصب , وبعضها من بيوت من الطين . وتعاقبت الحقب السابقة للسلالات المالكة , فأنتجت على التوالي الفخار الملون , فمراكب صيد الاسماك , فمقاليع الصيد بالحجارة والفؤوس ذات الرأس الصوانية والمناجل المشوية بالنار , فالكتابة , فدولاب الخزاف , فالمحراث والعربة , فالنحت , فأواني الفضة والنحاس والرصاص .
  ظهرت الكتابة في مرحلة اوروك قبل سنة 3000 ق.م بقليل , ولكن ليس ثابتا ما اذا كان السومريون قد جاؤا بها معهم الى تلك البلاد , او انهم كانوا هنالك من قبل , بل الاكيد حتى الان انهم هم الذين اخترعوا هذا الفن .
  تشتمل لائحة ملوك سومر على عدد من الملوك الذين جاؤوا قبل الطوفان , مع ان تسلسله الزمني وتاريخهم ليسا معروفين . كذلك , ليس من الثابت ما اذا كان الطوفان المذكور في الكتب السماوية وفي التقليد السومري يتمثل في طبقات الطمي الجرداء الموجودة في اور وكيش وشورباك . وقد اشتهر رجل من شورباك قيل انة نجا من الطوفان وان اسمة زيو سدرا ( واسمة الاصلي اوتو نابشتم ) , وقامت شهرتة على ورود اسمة في ملحمة جلجامش بوصفة الرجل الذي حافظ على بذور الكائنات الحية . لكن كيش هي المدينة التي شهدت " عودة نظام الملوك الى الارض " في حقبة ما بعد الطوفان .

  السلالة الحاكمة الاولى في اور 

  لا نعلم الكثير عن الملوك الاوائل . لكن الزعامة انتهت الى , بعد معركة حاسمة , الى الملك الشهير جلجامش ملك اوروك ( 2 ) , ثم انتقلت , من خلفائة فيها , الى السلالة الاولى في اور . ترقى اسماء بعض الملوك التاريخيين الى هذه الحقبة . وكذلك على الارجح المقبرة الملكية الفخمة . 
  حفظت هذه المقبرة ومقابر اخرى كنوزا لا تقدر بثمن . من بينها : قيثارات ذهبية , وكنارات عليها رؤوس ثيران , وخنجر ذو غمد مشبك , وامشاط ذهبية وفضية مزينة برسوم ازهار , واكواب ذهبية واقراط ضخمة على شكل مراكب , والوف من المسابح المصنوعة من الذهب والفضة والعقيق , وكثير غيرها , بالاضافة الى راية اور الملكية .
  لم تصلنا معلومات موثوق بها تذكر عن تاريخ الحقبة التي تلت السلالة الاولى في اور . اما في مدينة لجش , فقد استهل اورناشي سلسلة الملوك , وتشهد على قوتة عدة مباني ومصنوعات فنية , ونقوش تشتمل على اشارات الشحنات من الخشب قادمة من الخليج العربي , وقد بلغ حفيدة اناتوم مرتبة عليا في سومر وفتح ماري على ضفاف الفرات , وربما سوبور الى الشمال . وقد وطد سلطة لجش ابن اختة انتيمنا .
  اما تاريخ باقي اجزاء الحقبة السلالية الباكرة في لجش , بل في سائر بلاد سومر . فهو لا يستند الى بينات وافية , الاان اوروكاجينا ( ملك 2378؟-2371؟ ق.م ) ادخل اصلاحات اجتماعية تدل على نضج سياسي مدهش , كان الغرض من بعضها فيما يبدو تخفيف الاعباء التي كان يفرضها الحكام والكهان على الشعب . وقد غلبه لوغال زاجيزي من مدينة اوما , الذي انهزم بدوره بعد حكم فعال وناجح . امام سرجون الكبير ملك اكاد ( ملك 2371؟-2316 ق.م ) ( 3 )  .

  سرجون الكبير , ملك اكاد 

خرج سرجون فجأة من الظلمة وسطع اسمة بقهره لوغال زاجيزي واستيلائة على سائر سومر وسوريا وربما جزء من اسيا الصغرى وعلى جزء كبير من المنطقة الجبلية من ايران الجنوبية الغربية . لكن يبدو ان الثورات لم تلبث ان انفجرت بعد ذلك . غير ان حفيده نارام سين حكم حكما مجيدا طيلة 37 سنة . سقطت سلالة سرجون حوالي سنة 2230 ق.م امام هجمات قبائل الجوتيين القادمة من الشمال او الشمال الشرقي . وقد طرد اوتو خيجال هذه القبائل من اوروك . لكن يبدو ان نائبه في اور , واسمه اور-نامو ( 1 ) , غلبه على امره واسس سلالة جديدة في اور .

  السلالة الحاكمة الثالثة في اور 

لم يتخذ اور- نامو لقب " ملك الاقاليم الاربعة " . بل اتخذ لقبا جديدا هو " ملك سومر واكاد " . كان عهده , الذي امتد 18 عاما ,  حقبة ثراء ومنعه بارزين , كما يتبين من انجازاته الكثيرة في حقل البناء التي من اهمها اعادة المواصلات المائية المباشرة مع الخليج العربي . ترك لنا اثرا ادبيا في رسائله واناشيده الملكية . وقد ادعى انه كان لاعبا حاذقا على ثماني الات موسيقية . وسع خلفة شولجي ( ملك 2059؟ - 2048؟ ق.م ) ممتلكاته في الشمال الشرقي والشرق , متعاملا مع الجوتيين واحوريين وسواهم .
  لكن خليفته الثاني شو - سين ( ملك 2038 ؟- 2030 ؟ ق.م ) واجه خطر الغزو من الغرب . اما ابي - سين ( ملك 2029 ؟- 2006 ؟ ق.م ) فيبدو انه انتصر على اولئك العموريين الذين كانوا بأمرة لشبي - اير من ماري , لكنة شهد بعد ذلك سقوط مدينته امام العيلاميين . 
   


 ( 1 ) قد لا يكون ملك اور المدعو ارنامو ( ملك 2113؟-2096؟ ق.م ) والذي اهدي الية هذا الختم السومري , محاربا شهيرا ولكنة نشر يعض التشريعات التي يتعلق بعضها بالاعتداءات الجنسية وبالمخالفات المقترنة بحق اراضي الاخرين 
 ( 2 ) روي عن جلجامش ملك اور من الاساطير ما يفوق ما روي عن اي بطل من ابطال التاريخ البابلي . انبثقت ملحمة جلجامش الاشورية , التي وصلتنا , من مجموعة اكبر من الاساطير السومرية . وقد بلغ من تشويش هذه الملحمة ان سيرة الملك غدت فيها غامضة الى حد بعيد . مع ان بعض الروايات قد تكون مستمدة من الواقع . والارجح انة اصلح معبدا في نيبور . ومن الثابت ايضا انه بنى جدار مدينة اوروك .
 ( 3 ) كانت امبراطورية سرجون الاكادي اول امبراطورية كبرى في العالم , لكن اتساعها كان كبيرا الى درجة انه ادى , بسرعة وبشكل حتمي تقريبا , الى قيام الثورات .
 ( 4 ) كان جوديا اللجشي الظاهر في الصورة , صهرا لاوربابا , وقد جلب لمدينتة ثروة طائلة مكنتها من القيام باعمال انشائية واسعة , كذلك تولى الاشراف على مدرسة للنحاتين , توصلوا الى صنع اروع النماذج بالحجر الصلب . وقد خلف جوديا نفسة نقوشا تصف تصف الطقوس الدينية والحياة اليومية في زمانة . كما عدد الاخشاب وحجارة الزينة المستعملة في اعادة بتاء بيت صنمه نينجيرسو , الذي انفق علية كل ثروتة تقريبا .

( 5 ا ) عثر على الراية الملكية التي ترقى الى حوالي 2600 ق.م في احدى اعظم المقابر في اور . يبدو انة كان يحملها مرافق يرتدي غطاء للرأس غريبا . تظهر فيها عربات ذات عجلات اربع بكامل رجالها , مما قد يشير الى انتصار ما (ا) كما تظهر على قفاها مشاهد عائلية مختلفة (ب) . اذا صح انها كانت راية . فتكون اصغر ( 47 سم ب 20 سم ) مما يجدر برمز العظمة الملكية . 

 ( 5ب )
( 6 ) تكون معظم الهلال الخصيب من احواض الانهار السورية ومن البطاح المنخفضة لنهري الفات ودجلة . كانت الاجزاء الشمالية لهذه المنطقة تنعم بمقدار من المطر والخصب الطبيعي . اما سهول سومر واكاد في الجنوب الشرقي , فقد ساعد طمي الانهار ومشاريع الري المعقدة فيها على انماء المحاصيل .

( 7 ) يمثل الهيكل الابيض في اوروك افضل تمثيل فن عمارة الهياكل . التي ترقى الى حوالي اخر الالف الرابع . وهو اخر هيكل باق من طراز بنائي غير منتظم الشكل . سبق على الارجح طراز الزقورات الاشد انتظاما . بني الهيكل الابيض , المحاط بثلاثة منحدرات . من الاجر المجفف . وكان مطليا بدهان ابيض ومدعوما وفيه مذبح للعبادة . كانت زوايا البناء تواجه نقاط البوصلة . قد تكون الزقورة . وهي هيكل متعدد الطوابق . محاولة لردم الفجوة بين الانسان والمعبودات . كان الناس يعتقدون ان على الانسان ان يوفر مسكنا للمعبودات .

2015-01-09

الشرق القديم

 التاريخ القديم لاسيا الغربية يسمى في الاصطلاح تاريخ الشرق القديم , ويشمل الحضارات العديدة التي ظهرت في اسيا الصغرى وسوريا والعراق واجزيرة العربية مع الخليج وايران . احتل وسط المسرح في هذه المنطقة على التوالي بصورة خاصة , السومريون فالبابليون فالاشوريون فالفرس . ولما سقطت دولهم , عفا النسيان على الكثير من هذة الحضارات القديمة , وبقيت الحال كذلك مدى عصور الظلمة , وتأخرت طويلا اعادة الكشف عنها على يد الغربيين .

   تطور الكتابة 

   جاء التقدم الحثيث,في ميدان معرفة الحضارات القديمة , في اواسط القرن التاسع عشر , على اثر فك رموز الخط المسماري الفارسي القديم ( 8 ) . فأن نقوشة الثلاثية اللغات ( الفارسية القديمة والبابلية والعيلامية ) امدت العلماء بمفتاح لقراءة تلك المكدسات الهائلة من النصوص الاشورية والبابلية والسومرية , المكتوبة بخط مسماري اصعب . 
   انبثق الخط المسماري عن الكتابة التصويرية التي كان السومريون يستعملونها اصلا في جنوبي بلاد ما بين النهرين , في اواخر الالف الرابع قبل المسيح .
  وعندما صارت لغتهم الى النسيان الى حد بعيد ابتداء من اوائل  الالف الثاني ق.م انتقل الخط المسماري الذي كانت تكتب به الى ورثائهم السياسيين والثقافيين , البابليين الذين اخذوا به لكتابة لغتهم السامية , المعروفة بالاكادية , مع انها كانت تختلف كثيرا عن السومرية . واقتبس ناطقون بالاكادية , ولا سيما الاشوريون , الخط المسماري ايضا . وقد استعمل هذا الخط ذاتة , مع بعض التعديلات الطفيفة نسبيا , في مناطق اخرى من غرب اسيا , لكتابة لغات اخرى مختلفة كليا , كالحثية والعيلامية والحورية والاورارتية . واستعمل المبدأ نفسة , وهو عبارة عن مجموعات من نقوش مسمارية مختلفة شبيهة بالاسافين , في كتابة الخط الفارسي القديم الابسط للامبراطورية الاخمينية , وفي كتابة الخط الابجدي لدى الفنيقيين .

  فك رموز النقوش 

  ما كاد يعلن , سنة 1872 , ان نسخة  اشورية عن قصة الطوفان , الواردة في التوراة , عثر عليها في لوحة في نينوى شمال العرلق قد فكت رموزها , حتى اشتد الحماس للحفريات ولدراسة اللوحات المسمارية والنقوش المماثلة . ساعد الطابع السامي للغة الاكادية , التي كتب بها الكثير من هذه النقوش , على فهم النقوش المسمارية الاخرى التي كانت تنتمي على درجات متفاوتة الى عدد من اللغات المعروفة كالارامية والعربية والعبرية .

  الخلفية الجغرافية 

ثمة اختلافات جغرافية كبيرة بين المناطق التي تشملها حضارات اسيا الغربية القديمة . فسواحل البحر الاسود والمتوسط تنحسر , بسرعة متفاوتة , امام هضبة الاناضول في اواسط تركيا , التي تروي المناطق المحيطة بصحرائها الوسطى انهار تجري باتجاه هذين البحرين .
  اما في الجنوب , فتعترض سلسلة جبال طوروس الطرق المؤدية الى سهول كيليكيا . فيما تقوم الهضبة المرتفعة التي تشمل جبل ارارات الى اقصى الشرق والشمال الشرقي بالحد من سهولة الحركة . هذه الهضاب تحتضن منابع نهري دجلة والفرات , اللذين , بعد اتجاههما غربا , ينعطفان جنوبا ليشكلا معظم الهلال الخصيب ويرويا سهول ما بين النهرين , حيث بنيت عواصم امبراطورياتها الكبرى , لا سيما بابل واشور ونينوى ( 1 ) . الى غربي بلاد ما بين النهرين تقع الصحراء , وابعد من ذلك غربا وادي نهر الاردن والعاصي , واخر الامر سهول البحر المتوسط الساحلية . اما الى شرقي بلاد ما بين النهرين , فتتعرج الاودية بين جبال زاغروس الوعرة ( 3 ) حتى هضبة ايران الجافة , مع العاصمة العيلامية سوسا , والعاصمتين الفارسيتين باسارجادا وبريسبوليس .
  ولكن بما ان القدرة على انتاج الحبوب في منطقة اهلة بالسكان هي عامل رئيسي في تقدمها , فقد ادت خصوبة دجلة والفرات , لا سيما بعد تطوير اقنية الري فيها من هذين النهرين , ومن روافدهما الرئيسية , ( الخابور والزاب الاعلى والادنى وديالة ) الى جعل حضارة منطقة ما بين النهرين والسهول الجنوبية اكثر الحضارات ازدهارا في منطقة غربي اسيا .



( 1 ) تركز تاريخ منطقة غربي اسيا القديم حول السهول النهرية , والتلال والجبال المجاورة , الواقعة بين البحرين الاسود والمتوسط والخليج العربي . كان نهرا دجلة والفرات يتحكمان بهذه المنطقة , وتدعى المنطقة الواقعة بينهما بلاد ما بين النهرين , الا ان هذه اللفظة تستعمل بتصرف للدلالة على منطقة اوسع محيطة بالنهرين . ساعد الطمي الناتج عنهما وعن روافدهما , والماء الذي كان يحول منهما بواسطة الاقنية , على قيام مدن الامبراطوريتين العظيمتين بابل واشور , اللتين رسمتا , بسطوتهما وحروبهما , الاطار العام لتاريخ زمانهما , حتى تقهقرهما في القرنين السابع والسادس قبل الميلاد .

( 2 ) تمثال صغير من الفخار المجفف بالشمس , وجد في قصر واقع في نمرود , شمالي العراق , ويرقى الى القرن التاسع ق.م. وهو يحمل النقش التالي , المطبوع على الظهر , بالخط المسماري الاشوري : " ادخل ايها الروح الميمون , واخرج ايها الشيطان المنحوس " . كانت هذه التماثيل الصغيرة توضع في مربعات الاساس المصنوعة من الفخار والتي توجد عادة في الزوايا وبالقرب من قائمة الابواب , في المباني الاشورية الكبرى في الالف الاول ق.م .
( 3 ) تؤدي طريق رئيسية من طرابزون والمنطقة الساحلية الشرقية للبحر الاسود في الجانب التركي الى ممر زيجانا في الجنوب , الذي يبلغ ارتفاعة 2000 متر , وهو يبقى سالكا معظم ايام السنة . تستمر الطريق مرورا ببلاد جبلية عالية حتى ارضروم وتبريز وطهران , فتخدم كبوابة شمالية غربية لارمينيا وبلاد فارس . كذلك خدمت كطريق تجارية , تصل بين هذه البلدان والامكنة التي يمكن الوصول اليها بحرا من طرابزون . اما الطريق الملكية الفارسية بين سوسة في بلاد فارس وسارديس في الغرب , فقد كانت تخترق منطقة ابعد الى الجنوب , عبر ديار بكر وانقرة , حيث كان السير اسهل . 






( 4 ) هذا الخزان الحجري الضخم المصنوع من البازلت , يرقى الى عهد سنحاريب (704-681 ق.م) وقد اعيد تركيبة من قطع صغيرة . تبلغ مساحتة 3.2 مترا مربعا , ويبلغ ارتفاعة مترا واحدا . تظهر في زواياه اشكال اربعة , تمثل المعبود ايا يحمل زجاجة لرش الماء , وكذلك الاشكال الاربعة المواجهة للناظر , في وسط كل من الجوانب الاربعة . ويظهر ايضا كاهنان يرتديان ثيابا على شكل اسماك , وهما يلتفتان الى كل من هذه الاشكال . ويحمل جانبان اثنان من الخزان نقشا لاسم الملك . ليس لدينا تفسير ثابت لتلك الرموز , الا ان مغزى عنصر الماء واضح , فايا , وهو معبود اليم قد يكون وسيطا بين السماء والارض .
( 5 ) اخترعت العجلة على الارجح في بلاد ما بين النهرين خلال الالف الرابع ق.م. في ذلك الزمان , لم تكن تصنع من حلقات شعاعية , بل من اقراص مستديرة صلبة من الخشب , مشدودة معا بأطار من المسامير العريضة الرؤوس المثبتة في الظرف الخارجي , لم تظهر الشعاعات الا الا فيما بعد . ولكن اقدم نماذج العجلة ما زال موجودا في بعض المناطق النائية . فهذه العجلة ( الظاهرة في الصورة ) توجد في قرية صغيرة , في شرقي تركيا . بالقرب من بحيرة فان . ومع ان عددا من المباني الشهيرة قد بنيت دون الاستعانة بالعجلة . بما في ذلك الاهرام , فقد ساعد ظهورها الزراعة , والنقل الى حد كبير . وساهم اسهاما كبيرا في تطور حضارة ما بين النهرين وانتشارها .

( 6 ) عثر على قطع من الواح العاج . كل واحدة منها 33 سم ب 15 سم , مغمورة بالوحل , في احد القصور الملكية في نمرود . كانت اللوحات مطوقة بهامش بارز يحيط بقطعة منخفضة كانت تحتوي , على الارجح , على مزيج من الصبغ والشماع . بشكل قاعدة لنص مسماري . تحمل هذه اللوحة اسم سرجون وعنوانا لكتاب بشائر مستمدة من الارصاد الفلكية .



( 7 ) كان الاشوريون يستعملون احيانا براميل اسطوانية الشكل , من الاجر , لتدوين نصوص مسمارية . تشير هذه الاسطوانة , وهي حوالي 17 سن ب 10 سم , الى اسر حدون , وتعطي موجزا عاما لفتوحاتة وانجازاتة . وتشير ايضا الى قصر جديد كان هذا الملك قد بناه . وصنع سقفة من خشب الارز المستورد من جبال امانوس , وابوابه من خشب السرو الذكي الرائحة . ترقى اللوحة الى حوالي 670 ق. م .

( 8 )تطور الخط السومري , على الارجح , نتيجة لاحتياجات الاقتصاد والادارة العامين . ومن نمو المدن , باتت سجلات البضائع الداخلة الى المدن , والخارجة منها ضرورية . كانت اشرطة من الطين او الجبس تعلق بالاشياء بادئ الامر , وتحمل سمة خاتم تدل على صاحبها . وتلا ذلك رسم الاشياء بواسطة خطوط . ثم بسطت الرسوم وحولت الى رموز . فينا بعد , استعمل الرمز الخاص بكلمة شائعة مثل تي ( اي سهم ) للدلالة على جميع اصوات تي بصورة عامة ( وتعني تي ايضا الحياة ) وهكذا ادى التمثيل الصوتي الى تطور رموز كتابية للغات بكاملها . اقدم كتابة تصويرية معروفة وجدت في كيش على حجر يعود الى حوالي 3500 ق.م وعلية من الجانبين رسوم منها رأس ويد وقدم . وعصا ثقيلة لدرس الحبوب , وبعض الترقيم 

2015-01-06

بدايات الزراعة

 حتى بداية العصر الحجري الجديد , لم يكن تدجين النباتات والحيوانات معروفا الا على نطاق ضيق . فالزراعة قد تطورت مع الازمنة على وتائر متنوعة في ازمنة مختلفة , فاتخذت لها اشكالا متفاوتة , من زرع النبات , الى رعاية المواشي , الى اقامة المزارع . ومع ان الانتقال من الاعتماد التام على قطف الغذاء الى بداية انتاج الغذاء كان تطورا تدريجيا , فقد كانت اثارة ثورة , اذ تم في هذا العصر تدجين كل النباتات والحيوانات الصالحة للغذاء اليوم . 

   المزارعون والرعاة الاول 

   في اوائل القرن الثامن قبل المسيح , ظهرت زراعة الحبوب وتدجين الحيوانات في منطقة الشرق الاوسط , بين خطي عرض 30 و 40 درجة شمالا على مساحة تمتد على طول الف ميل , من بلاد الاناضول حتى ايران ( 1 ) . كانت تعيش في هذه المنطقة انواع مختلفة من النباتات والحيوانات البرية القابلة للتدجين . فقد شاهد الانسان القديم الحنطة والشعير تنمو على المرتفعات , والماعز ( 3 ) والغنم ترعى على المنحدرات . لا بل ان التنوع الكبير في المناطق العامرة بالمياه والموارد الطبيعية كان كافيا وحدة لجعل القناصين , وصيادي الاسماك , وقاطفي الثمار يعيشون عيشة شبة مستقرة , حتى بعد انتهاء العصر الجليدي الاخير , حوالي عام 8000 قبل المسيح . في البدء كان نمو الزراعة ورعاية المواشي بطيئا وعشوائيا . كانت الحبوب البرية تلتقط وتلقى بجوار موقع الاستيطان .وكان الصيادون , على الارجح يقبضون على بعض الحيوانات الصغيرة ويحملونها معهم الى المنزل . وليس من السهل في هذه المراحل الباكرة من الزراعة , التمييز بين البري والداجن من الحيوانات والنباتات . فقد اخذت الحيوانات بعد تدجينها تتطور تدريجيا لتصبح ذات اشكال اصغر , كما حدثت تغيرات تدريجية اخرى في حجم القرون وشكلها مثلا . ويبدو من كمية العظام المكتشفة في زاوي شيمي شانيدار في شمالي العراق , ان قطعان الاغنام كانت ترعى على الهضاب منذ سنة 8500 ق.م وان قطعان الماعز لم تلبث ان لحقت بها بعد قليل من الوقت . 
   اما الادلة على زراعة الحبوب , فهي اصعب منالا , اذ لا تحفظ الحبوب الا في ظروف استثنائية . فالادلة الوحيدة الباقية لا تتعدى , في اغلب الاحيان , الحبوب المتفحمة نتيجة للحريق , او الانطباعات الباقية على افران الطين او في حفر التخزين . 

المستوطنات الاولى في العصر الحجري الجديد 

   معظم المواقع التي ترقى الى اوائل العصر الحجري الجديد تقع بالقرب من الينابيع . من المواقع التي حظيت بأكبر قسط من الاستقصاء " تل السلطان " في اريحا , في فلسطين , الذي اقام فية ما يناهز 3000 نسمة خلال العصر الحجري الجديد السابق لعصر الفخار , حوالي سنة 7000 ق.م اما موقع شاتال هويوك في الاناضول , الذي كان اكبر مركز تجاري معروف في زمانة , فقد بلغ حجمة اربعة اضعاف حجم اريحا خلال الالف السادس ق.م .
   بلغ فن الفخار والحياكة , وسواهما من الفنون والصناعات , مستوى عاليا . وكانت المعتقدات الدينية الوثنية تدور على عبادة ربة الخصب , التي كانت ترسم في نقوش ناتئة من الجص , وعلى تقديس الاموات . 
   بعد ان اصبح السكان , في العصر الحجري الجديد , يعتمدون على الاقتصاد الزراعي في معيشتهم , اخذوا يتكاثرون بسرعة . ومع ظهور الري , الذي يحتمل ان يكون قد استحدث في اريحا , غدا من الممكن لهم الانتشار باتجاه سهول بلاد ما بين النهرين . فهناك مستوطنة واقعة في حسونة الى الشمال تعود الى ما قبل سنة 6000 ق.م وبعد ذلك بالف سنة جرى استغلال دجلة والفرات , الغنية بالطمي في اريدو في الجنوب . حينذاك اصبحت بلاد ما بين النهرين مركز حضارة العصر الحجري الجديد , وارست القواعد لقيام الحضارة السومرية .
   في اثناء ذلك , انتشر انتاج الغذاء من بلاد الاناضول الى اليونان , ومنها الى اوروبا . وقد تمكن المزارعون , في الاراضي الغابية التي مهدها القطع او الحريق من استغلال تربة حوض الدانةب الخصبة . كما كان البناة بالحجارة الضخمة يطوفون , في تلك الفترة بالذات , حول سواحل اوروبا الغربية .

المحاصيل الرئيسية للحضارات المختلفة 

   قامت حضارة اسيا الغربية واوروبا على الشعير والحنطة , اللذين تلائمهما المناطق المعتدلة وما تحت المدارية , فيما كانت المناطق المدارية اكثر ملاءمة للدخن والرز والذرة . بدأت زراعة الرز في الهند قبل الصين التي كان الدخن محصولها الاكبر , والخنزير حيوانها الداجن الرئيسي حتى حوالي 2000 ق.م . اما في مناطق افريقيا الواقعة وراء الصحراء , فربما سبقت زراعة النباتات الجذرية زراعة الحبوب ( اي الدخن والذرة ) مع انة ليس لدينا ادلة اثرية قاطعة على ذلك . لكن الادلة المستمدة من عدد من الرسوم الصخرية , تدل على ان الرعاة كانوا يجدون حوالي 300ق.م مراعي على امتداد الصحراء ( 7 ) , في الحقبة التي سبقت تحول المنطقة الى صحراء جرداء . وكانت الذرة البدائية تزرع في المكسيك في حدود عام 5000 ق.م . لكن لم تستقر الجماعات البشرية في مواطن ثابتة في امريكيا قبل العام 1500 ق.م .



( 1 ) كانت مناطق انتاج الغذاء تمتد من جبال زاغروس بين ايران والعراق , حتى جبال طوروس في الاناضول , وحتى غور الاردن . توجد اوائل الادلة على رعاية القطعان في ايران . حوالي عام 8500 ق.م . شاع الري في حوض دجلة والفرات حوالي 5000 ق.م , بحيث اصبح من الممكن زراعة الارض التي يغمرها الطمي .
( 2 ) البيوت المستطيلة في اوروبا الوسطى واسكندينافيا ترقى الى النصف الاولى من الالف الخامس ق.م . اعيد بناء البيت الظاهر في الصورة استنادا الى اثار مكتشفة في ديرنجسن ريبلوه في وستفاليا . بالمانيا . كان طولة يزيد على 16 متر وعرضة 8 امتار , وكذلك كان ارتفاعة . كانت البيوت الطويلة السائدة على شكل مستطيل , الا ان الشكل شبه المنحرف ( كما في الصورة ) كان مألوفا ايضا . يبدو ان بعض البيوت الطويلة كانت تقسم الى قسمين . ولكن لا نعلم اذا كان الغرض من ذلك فصل غرف السكن عن غرف الخزين . كانت البيوت تبنى ضمن اطار من الخشب .







( 3 ) ما زال البزل , وهو الجد البري للماعز المدجن , يعيش على جبال اسيا الجنوبية 











( 4 ) كانت الحبوب تحصد بادئ الامر بمناجل مصنوعة من حجارة مثبتة في عصا من العظم او الخشب . هذا النموذج ( في الصورة ) من الفيوم في مصر .
( 5 ) كانت عظام الحيوانات وقرونها تستعمل في استخراج الصوان , وكانت صناعة هامة في اوروبا الغربية , ابان العصر الحجري الجديد . ففي مقبرة جرايمر في نورفوك , كان يجري تثبيت العصا في الكلس , ويصار الى حفر اقنية للوصول الى الصوان .
( 6 ) كانت الفؤوس الحجرية المصقولة , والمثبتة في عصي خشبية , تستعمل لشق الطرق في الغابات , وللنجارة . وكانت قطع الصوان , والصخور الاخرى التي تستعمل لصنع هذه الادوات الفعالة جدا , تنحت في معامل الفؤوس . ينبئنا مصدرها بالشئ الكثير عن الطرقات التجارية .


( 7 ) تحتوي تاسيلي ( في منطقة الحجار بليبيا ) , وهي هضبة طولها 800 كيلومتر من الحجر الرملي المفتت , على عشرات من الرسوم والنقوش الصخرية . فقد رسمت فيها بصورة رائعة المواشي والحيوانات البرية التي ازدهرت في ذلك المناخ المناسب سنة 3000 ق.م .





( 8 ) احتل الرعاة والصيادون سكارابري في جزر الاوركيني , حولي 1800ق.م . ونظرا لعدم توفر خشب في الجزيرة , صنعت البيوت والاثاث من الحجارة . تحتوي احدى القرى على ثمانية اكواخ متصلة بعضها ببعض , وفي كل منها موقد وبلاطتان تستعملان كسريرين وخزانة في الحائط .


( 9 ) كانت الحنطة والشعير الغذائين الرئيسيين . في اقتصاد العصر الحجري الجديد في الشرق الاوسط . وفي حدود 4500 ق.م . كانت الحبوب معروفة في مصر . صنعت هذه السلة ( طولها 40 سم ) من الكتان المطوي , وربما استعملت من اجل البذار . وقد اكتشفت في حجرة لتخزين الحبوب في الفيوم .

( 10 ) نموذج من الفخار لعربة ( حوالي سنة 1900 ق.م ) مأخوذ من مثبرة في المجر . وهو اول دليل على عربة تسير على عجلات في اوروبا . وقد اخترعت العجلات في منطقة ما بين النهرين . قبل هذا التاريخ بحوالي 2000 سنة .





( 11 ) هذا الابريق الفخاري وهو من النماذج الشائعة في فن اللونجشان في شانتونج , في العصر الحجري الجديد ( حوالي 200 ق.م ) يبدو وكأنة يقلد الفن البرنزي .